الحكيم الترمذي
124
كيفية السلوك إلى رب العالمين
كلها . فإنما ينال هذا كله بنوره الذي يشرق على قلبه من صدره . وهو قوله عزّ وجل : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [ الزمر : 22 ] . وفي هذا الباب كلام كثير إنما يخاطب به أهله ، عجزت العامة عن درك ذلك فهما فطويناه عنهم لئلا تظلم الحكمة . فإن عيسى عليه السّلام قام خطيبا في قومه فيما روي عن نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم عن عيسى - عليه السّلام - أنه قال : يا بني إسرائيل لا تظلموا الحكمة ، فتضعوها في غير أهلها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم . فلو قلنا للعامة : قال اللّه - تعالى - : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [ الزمر : 22 ] . أي نور هذا ؟ لعجزت عن جوابه ، ولو هديتها لم يهتدوا ولا قدرت على احتماله . فمن طلب علل هذه الأشياء من الحكمة ، فإنه لم يطلبها على وجه المخاصمة والمنازعة والمجادلة والمماراة ؛ بل قبلها من ربه أحسن قبول ثم طلب عللها من الوجه الذي ذكرنا ، وبذلك النور لاحظ واستبان له حمد اللّه ، وكان علم ذلك له على القيام به أعون ؛ لأن الصدر منشرح له ، والقلب مشرق ، وإنما يحرم طلب هذا من جاهل يجادل في قانون الحق ، وهذا قول ملحد نازع اللّه - تعالى - في العبودية لزيغ قلبه ، فأمّا من قبل وتدبّر سلم نفسه للّه تسليما فيما عقل العلة وفيما لم يعقل ، ثم أوتي حكمتها فنطق بها ؛ ليشرح اللّه - تعالى - صدره به وعلى لسانه صدورا مظلمة ؛ فتستبين وتستنير على قلوبهم فهذا محمود مغبوط ؛ ومثل ذلك كمثل رجل في يده جوهرة وهو ممن يعرف الجوهر إلا ما ظهر على عينه منه فوشيكا أن يخدع عنه ، والذي يبصر الجوهر لا يخدع عنه ولا يغبن ، فكم من رجل من العمال يؤثر مداني الأعمال على معاليها لجهله أو لقلة معرفته لجواهرها ، فهل أوتي ذلك إلا من حرمان الحكمة ؟ ! قال اللّه - تعالى - : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ( 269 ) [ البقرة : 269 ] . فأهل اللبّ فهموا هذه الأشياء . وقال تعالى : وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [ آل عمران : 48 ] . فالكتاب علم الظاهر ، والحكمة باطنه . ومن هاهنا قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما من آية إلا ولها ظهر